العيني
189
عمدة القاري
ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمَكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلاّ كَنَقْرةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إلى لوْحٍ منْ ألْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ ، فقالَ مُوسَى : قَوْمٌ حَمَلُونَا بغيْر نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سفينَتهم فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أهْلَها ؟ قالَ : * ( أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْرا ) * ( الكهف : 72 ) قالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نسِيتُ ، فَكانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانا فانْطَلَقَا ، فإذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ ، فأَخَذ الخَضِرُ برَأْسه مِنْ أعْلاَهُ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بيدِهِ فقالَ مُوسَى : * ( أَقْتَلْتَ نَفْسا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ) * ( الكهف : 74 ) * ( قالَ : أَلَمْ أقلْ لَكَ أنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرا ) * ( الكهف : 75 ) . قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ : وَهَذَا أوْكَد فانْطَلَقَا حَتَّى إذا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أهْلَهَا فأبَوْا أنْ يُضِيِّفُوهُما ، فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقضَّ . فأقَامَهُ . قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فأقامَهُ ، فقالَ لَهُ موسَى : * ( لوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا ! قالَ : * ( هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ) * ( الكهف : 77 78 ) قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : ( يَرْحَمُ الله مُوسَى ، لَودِدْنَا لَوْ صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أمْرهمَا ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم سبعة . الأول : عبد الله بن محمد الجعفي المسندي ، بفتح النون ، وقد تقدم . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : عمرو بن دينار . الرابع : سعيد بن جبير . الخامس : عبد الله بن عباس . السادس : نوف ، بفتح النون وسكون الواو وفي آخره فاء : ابن فضالة ، بفتح الفاء والضاد المعجمة : أبو يزيد ، ويقال : أبو رشيد القاص البكالي ، كان عالما فاضلاً إماما لأهل دمشق . وقال ابن التين : كان حاجبا لعلي ، رضي الله عنه ، وكان قاصا ، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور ، وقيل : ابن أخيه ، والبكالي ، بكسر الباء الموحدة وتخفيف الكاف : نسبة إلى بني بكال ، بطن من حمير . وقال الرشاطي . البكالي في حمير ينسب إلى بكال بن دغمي بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر . قال الهمداني : وقيد دغميا بالغين المعجمة ، قال : وسائر ما في العرب بالعين المهملة ، وضبط ، بكالاً ، بفتح الباء . وأصحاب الحديث يقولون بالفتح والكسر . وقال صاحب ( المطالع ) : ونوف البكالي أكثر المحدثين يفتحون الباء ويشددون الكاف وآخره لام ، وكذا قيدناه عن أبي بحر ، وابن أبي جعفر عن العذري ، وكذا قاله أبو ذر ، وقيد عن المهلب بكسر الباء ، وكذلك عن الصدفي وأبي الحسين بن سراج بتخفيف الكاف وهو الصواب نسبة إلى بكال من حمير . . وقال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي له : إنه منسوب إلى بكيل ، بطن من همدان ، ورد عليه بأن المنسوب إلى بكيل إنما هو أبو الوداك جبر بن نوف وغيره ، وأما هذا نوف بن فضالة فهو منسوب إلى بكال بطن من حمير . السابع : أبي بن كعب الصحابي ، رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسؤال . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ، وهما : عمرو وسعيد . ومنها : أن فيه رواية صحابي عن صحابي ، وقد مر في باب : ما ذكر في ذهاب موسى ، عليه الصلاة والسلام ، في البحر إلى الخضر ، أن البخاري أخرج هذا الحديث في أكثر من عشرة مواضع . بيان اللغات : قد مر في الباب المذكور تفسير : بني إسرائيل ويوشع بن نون والصخرة والقصص . قوله : ( في مكتل ) ، بكسر الميم وفتح التاء المثناة من فوق ، وهو الزنبيل ، ويقال : القفة . ويقال : فوق القفة والزنبيل . وفي ( العباب ) : المكتل يشبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعا . قوله : ( فانسل الحوت ) من : سللت الشيء أسله سلاً فانسلّ . وأصل التركيب يدل على مد الشيء في رفق وخفة . قوله : ( سربا ) أي : ذهابا ، يقال : سرب سربا في الماء إذا ذهب فيه ذهابا . وقيل : أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق ، وحصل منه في مثل السرب ، وهو ضد النفق ، معجزة لموسى أو للخضر ، عليهما الصلاة والسلام . والسرب في الأصل حفير تحت الأرض ، والطاق : عند البناء وهو الأزج ، وهو ما عقد أعلاه بالبناء وترك تحته خاليا . وجاء : فجعل الماء لا يلتئم حتى صار كالكوة ، و : الكوة ، بالضم والفتح : الثقب في البيت . قوله : ( نصبا ) بفتح النون والصاد أي : تعبا . قوله : ( إذ أوينا ) من أوى إلى منزله ليلاً أو نهارا ، إذا أتى . قوله : ( نبغي ) أي : نطلب ، من : بغيت الشيء : طلبته . قوله : ( فارتدا ) أي : رجعا .